جلال الدين السيوطي
646
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
الطبع لحنت . فأعجب الرشيد ذلك . وكان الفرّاء يميل إلى الاعتزال ، وحكى سلمة بن عاصم عن الفرّاء ، قال : كنت أنا وبشر المريسيّ في بيت واحد عشرين سنة ، لم يتعلّم مني شيئا ولا تعلّمت منه شيئا . وقال الجاحظ : دخلت بغداد حين دخلها المأمون ، فكان الفرّاء يجيئني وأشتهي أن يتعلّم شيئا من علم الكلام ، فلم يكن له فيه طبع . وقال ثعلب : كان الفرّاء يتفلسف في تصانيفه حتى يسلك في كلامه ألفاظ الفلاسفة . وقال سلمة بن عاصم : إني لأعجب من الفرّاء : كيف كان يعظّم الكسائيّ وهو أعلم منه بالنحو ؟ وقال الفرّاء : أموت وفي نفسي [ شيء ] من « حتى » لأنّها تخفض وتنصب وترفع . وكان الفرّاء شديدا في طلب المعاش لا يستريح في بيته ، وكان يجمع طول السنة ، فإذا كان في آخرها خرج إلى الكوفة ، فأقام فيها أربعين يوما في أهله يفرّق عليهم ما جمعه ويبرّهم ، وكان لا يأكل حتى يمسّه الجوع ، وخلّف مالا كثيرا لابن له شاطر صاحب سكاكين ، وأبوه زياد هو الأقطع ، قطعت يده في الحرب مع الحسين بن علي ، وكان مولى لأبي ثروان ، وأبو ثروان مولى بني عبس . وممن أخذ عنه الفرّاء يونس ، وأهل الكوفة يقولون أنّه استكثر عنه ، وأهل البصرة يدفعون ذلك . وكان الفرّاء زائد العصبيّة على سيبويه ، وقيل أنّه مات وكتاب سيبويه تحت رأسه . وقيل أنّه كان يتتبّع خطاه ؛ فلذلك كان لا يفارقه . وكان الفرّاء متدينا متورّعا على تيه وعجب وتعظّم . وله من التصانيف : كتاب معاني القرآن ، وكتاب الحدود ، كتابان في المشكل كبير وصغير ، كتاب البهي فيما تلحن فيه العامة ، وكتاب اللغات ، وكتاب الجمع والتثنية في القرآن ، وكتاب المصادر في القرآن ، وكتاب الوقف والابتداء ، وكتاب الفاخر ، وكتاب آلة الكتّاب ، وكتاب النوادر ، وكتاب الواو ، وكتاب يافع ويفعة ، وكتاب المذكّر والمؤنث ، وكتاب